المقالات

ماذا بعد رمضان لفضيلة الشيخ الدكتور محمد الحسن الددو

كونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين

رمضان شهر الطاعة والعبادة, فمن الناس مستغل له ومضيع, وبعد انقضائه يثبت الله من شاء على طاعته, فينبغي على كل مسلم بعد انقضائه أن يقوِّم عمله فيه, ويسعى لإصلاح الخلل والتقصير بالتوبة النصوح, والعزم على مواصلة الطاعة والعبادة, واستشعار عداوة الشيطان له, واستغلال نعم الله عليه الاستغلال الرشيد.

مقدمة بين يدي الحديث عن ماذا بعد رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه, ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين, أما بعد:

فإن سؤالاً كبيراً يلوح في الأفق بعد أن وفق الله قيام رمضان وصيامه، وهو: ماذا بعد رمضان؟

فنحن جميعاً نعلم أننا عباد لله سبحانه وتعالى، خلقنا من أجل عبادته، وأنعم علينا بهدايته، وهدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأرسل إلينا أفضل الرسل، وأنزل إلينا أفضل الكتب، وشرع لنا خير شرائع الدين، وكل ذلك نعم منه جل جلاله وفضل، وقد امتن بذلك في كتابه على هذه الأمة فقال:  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، وقال:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143]. وقال:  وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8].

فكل هذا من فضله ونعمته علينا، فماذا عسى نجيب به هذا السؤال الواضح وهو: ماذا بعد رمضان؟

إنكم تعلمون أن  من الذين عاشوا في رحاب رمضان الماضي لم يدركوا رمضان القادم، بل سيمضي الزمان بطول أو قصر، ويمضي مع ذلك كثير من القوافل إلى الدار الآخرة، فلم يأت رمضان القادم إلا وكثير من الذين صاموا وقاموا بين الجنادل والتراب، قد قدِمُوا إلى ما قدَّمُوا، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وانقطعوا عن هذه الحياة الدنيا، ولم يعد بإمكانهم أن يزيدوا في ثقل كفة الحسنات، وكثير كذلك من الذين امتنعوا عن أداء ما افترض الله عليهم أو قصروا وفرطوا وندموا لن تتاح لهم الفرصة مرةً أخرى؛ ليروا الله من أنفسهم خيراً، وكثير من الذين امتن الله عليهم بالتوفيق وسددوا ووفقوا ونافسوا في هذا الشهر الكريم هم الآن في وقت يقتص فيه الشيطان منهم؛ لأن هذا الشهر -وهو شهر شوال- مجال لاستغلال الشيطان، فهو يريد أن يأخذ بثأره، فقد تقوى حين أطلق له جنوده الذين كانوا في الأسر عند الله سبحانه وتعالى، فإن الله تعالى في شهر رمضان يصفد مردة الشياطين، لكنه يطلقهم في شهر شوال، فتجتمع عدة إبليس، فيحاول القصاص من الذين فاتوه في شهر رمضان، فيقل الصيام، والقيام، وتدبر القرآن، وقراءته، والجلوس في المساجد، وتقل الدروس والعبر والمواعظ، ويقل البكاء والذكرى، وكل ذلك قصاص يقتصه الشيطان من المؤمنين في هذا الشهر، فلذلك لابد أن نعد العدة، وأن نستعد لمقارعة عدونا الذي يجلب بخيله وركابه ورجله وهو مستعد لأخذ ثأره، وأنتم تعلمون أن المعاصي هي بناؤه وهي لبناته، يأخذ من النظرة، ومن اللفتة، ومن التفكر، ومن غير ذلك مما نفعله من الأفعال القبيحة عند الله تعالى، فيجمع سوراً كبيراً يحيط به الإنسان ويمنعه به من التقدم في ميدان السباق إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يبني ليله ونهاره في سوره، ويستعمل كثيراً من الخدم والعمال، يبنون له أسواراً من الذنوب والمعاصي لتحيط بالناس لتقطعهم عن طريق الله جل جلاله، ولكن لفتةً واحدةً من عفو الله تهدم جميع هذا البنيان، فإذا أقبل الإنسان على الله بقلب سليم، وتاب إليه توبةً نصوحاً فإن بنيان إبليس سينهدم من أساسه.

بنى ما بنى حتى إذا ظن أن ما بناه وطيد راسخ الأسس محكم

أتى العفو من كل القواعد ما بنى فخرَّ عليه سقفه المتهدم

ولو أن الفاً من البناة جنوده بنوا كل يوم ألف بيت ورمموا

لهدت بيوت الكل توبة مخلص على ما جناه وصح منه التندم

فلذلك لابد أن نهدم بناء إبليس، وأن نتدارك ما بقي من هذا الشهر ومن العمر، فنجعل الشهر مثالاً للعمر، وننظر إلى ما كنا فيه في أيام رمضان من الصيام، والقيام، وتدبر القرآن، وتلاوته، وسماع الدروس، والمواعظ، والبكاء، والتوبة، نحاول أن نستمر على هذا الحال وألا نتذبذب ونتردد، وأنتم تعلمون أن التذبذب والتردد هو من شأن المنافقين وليس من شأن المؤمنين، فقد قال الله تعالى في وصف المنافقين:  مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143]. والثبات من شأن المؤمنين, كما قال الله تعالى:  يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ( اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك ).

فالثبات مطلوب وهدف, ووعد أيضاً وعد الله به المؤمنين،  يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27]؛ فلذلك لابد أن نحرص على الثبات على ما كنا عليه من الدين، وأن نعلم أن الشواغل والملهيات كثيرة، لكن الزمن قليل، والفرص نادرة، فإذا أتيحت للإنسان فرصة الجلوس في المسجد فعليه ألا يضيعها، وأن يعلم أن هذا قد يفوت، وسيأتي يوم يريد فيه مجالسة الملائكة الكرام فلا يستطيع ذلك، وهو مشغول بما له من أعراض الدنيا، ومشكلاتها، وأمراضها، واشتغالات أهلها، وقد يحاول أن يجد وقتًا لقراءة ختمة واحدة للقرآن فلا يجدها لكثرة الانشغالات، وقد يحاول أن يجد وقتاً لتدبر صفحة واحدة أو نصف صفحة من المصحف فلا يجد إلى ذلك سبيلاً لانشغالاته، وقد يجاهد نفسه حتى يستطيع أن يقوم من الليل ولكن يشغله عن ذلك ما يعرض من العوارض، فإذا أتيحت للإنسان فرصة فعليه أن يبادرها، وأن يعلم أنها قد لا تتكرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى