المقالات

شذرات لغوية- الحذف في الكلام

مقال/ فضيلة أ.د. حسام النعيمي

 

تحذف العرب من الكلام ما دل عليه دليل، فتقول في جواب: أين زيد؟ زيدٌ في المكتبة، أو تقول: في المكتبة، بحذف المبتدأ لأنه معلوم، وتقول في جواب: مَن في المكتبة ؟ خالدٌ في المكتبة، أو تقول: خالد، بحذف الخبر لأنه معلوم .
وقد تحذف المبتدأ والخبر معًا فتقول في جواب: أزيدٌ في المكتبة ؟ نعم. والتقدير: نعم زيد في المكتبة .
ولا ينبغي أن يفهم من تمثيلنا أن العرب لا تحذف إلا في أسلوب الجواب عن الاستفهام، بل قد تحذف العرب في غير أسلوب الجواب عن الاستفهام كما تحذف في هذا الأسلوب .
فمن ذلك مثلاً حذف الخبر في قول قيس بن الخطيم وهو شاعر جاهلي:
نحن بما عندنا ، وأنت بما عندك راضٍ ، والرأي مختلف
وواضح من قوله: وأنت بما عندك راض، أن أصل الجملة الأولى قبل الحذف: نحن بما عندنا راضون، وبهذا يكون الشاعر الجاهلي قد حذف من الأول لدلالة الثاني عليه .
ومن ذلك ما أنشده أبو العباس ثعلب:
خليلَيّ هل طِبّ ؟ فإني، وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دَنِفانِ
وأصل العبارة : فإني دَنِفٌ، وأنتما دنفان، وإن لم تبوحا بالهوى .
ويكون الشاعر قد حذف من الأول لدلالة الثاني عليه .
ومن ذلك أيضًا قول بشر بن أبي خازم وهو شاعر جاهلي:
وإلا فاعلموا أنّا، وأنتمْ بغاةٌ، ما بقينا في شقاق
وأصل العبارة: وإلا فاعلموا أنّا بغاة، وأنتم بغاة، ما بقينا في شقاق . فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه .
وبمثل هذا الحذف نفهم قوله تعالى في سورة المائدة { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) } إذ حذف من الأول لدلالة الثاني عليه .
وتأويل الكلام: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين هادوا والصابئون والنصارى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ إذا وجد فيهم الإيمانُ باللَّه واليوم الآخر والعمل الصالح .
فالآية تتحدث عن فريقين : فريق المؤمنين الناجين لأنهم مؤمنون، عبر عنـه بقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وفريق يكتب له النجاة إذا آمن باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحـًا، عبر عنه بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} مقيدة نجاتهم بقوله تعالى: { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} أي مَن آمن منهم باللَّه؛ وبهذا يكون خبر إنَّ في { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} محذوفًا دلَّ عليه ما جاء بعده، ويكون الاسم الموصول في {الَّذِينَ هَادُوا} مبتدأ مبنيًا في محل رفع، وهادُوا صلته، و يكون {الصَّابِئُون} معطوفًا على المبتدأ مرفوعًا، و تكون جملتا الشرط والجواب خبرًا للمبتدأ ، وتكون جملة { وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} معطوفة على جملة { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وخبرها المحذوف، كما أن جملة: وأنتم بغاة من المبتدأ والخبر معطوفة على جملة: أنَّا وخبرها المحذوف، في قوله:
وإلا فاعلموا أنّـا، وأنتم بغاة، ما بقينا في شقاق
هذا المعنى يراد في الآية لبيان شأن المؤمنين، وشأن غير المؤمنين، ولذا جاء المبتدأ بعد الواو وكان الكلام متجهـًا إلى عطف الجمل، أما عندما أريد بيان حال مجموع ذوي الديانات والفصل بينهم يوم القيامة فقد جاء الكلام بعطف المفردات، إذ قال تعالى في سورة الحج { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) } فكل هؤلاء بمجموعهم الذي يضم المؤمنين وغير المؤمنين على اختلاف نحلهم سوف يفصل الله سبحانه بينهم يوم القيامة ، فجاءت المعطوفات منصوبة لاشتراكها جميعـًا في كونها سوف تخضع للفصل بينها .
وهذا بخلاف آية سورة المائدة التي تحدثت عن فريق المؤمنين الناجين لأنهم مؤمنون ، والفريق الآخر الذي يكون ناجيـًا إذا وجد فيه الإيمان باللَّه واليوم الآخر وعمل صالحًـا .
وأما قوله تعالى في سورة البقرة { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } فقد حوفظ فيه على معنى التوكيد بإنَّ لمجيء الآية في سياق الكلام على مخالفات يهود العظيمة ومنها قولهم لنبيِّهم { يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } [سورة البقرة:55] وهو ما لم يرد في سورة المائدة؛ وذكر عصيانهم بصورة مفصلة، مما يحمل على الظن بأنَّهم ؛ وغيرُهم من غير المؤمنين من النصارى والصابئين لهم تبع؛ لا يكون لهم مجال للدخول في دين الله ، فجاء العطف بإرادة معنى التوكيد بإنَّ فنصبت الأسماء، ليزول ما قد يعلق بالذهن من اليأس من فتح باب التوبة لهم . والله سبحانه أعلم.

أ.د. حسام سعيدالنعيمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى