المقالات

التفاؤل وحسن الظن بالله

مقال لفضيلة الدكتور/فادي شحيبر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنّ من أوجب الواجبات في زمن الأزمات والابتلاءات بثّ روح الامل والتفاؤل في نفوس الناس، وزرع حسن الظن بالله والثقة به والتوكل عليه في قلوبهم، خصوصاً أن كثيراً من أبناء الأمة الإسلامية يحلُّ عليهم التشاؤم بدل التفاؤل، ويتسرب اليأس من نصر الله واقتراب فرجه إليهم، ويتسلل القنوط إلى أفئدتهم.
وإن المطلع على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يدرك تمام الإدراك أنه صلى الله عليه وسلم في أشد اللحظات التي مرت على الصحابة رضي الله عنهم كان يبشرهم ويبث في نفوسهم معاني التفاؤل والأمل وحسن الظن بالله والثقة به والتوكل عليه، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكفينا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه عندما كان ملاحقا مطاردا من مشركي مكة: { لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } بهذه الكلمات القليلة المليئة بالتفاؤل والثقة بالله بدّد النبي صلى الله عليه وسلم مخاوف أبي بكر رضي الله عنه، ومخاوف الأمة من بعده بأن الله معها حافظها وناصرها، فلا ينبغي لها أن تحزن .
فلا تزيدنا كثرت الابتلاءات والجراحات إلا ثقة بوعد الله ونصره لعباده المستضعفين، فشدة ظلمة الليل تؤذن باقتراب طلوع الفجر وبزوغ النهار .
ولذلك تزداد في مثل هذه الأوقات الحاجة إلى بثّ روح التفاؤل بالكلمة الطيبة والابتسامة الجميلة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((الكلمة الطيبة صدقةٌ))، وقال: ((تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقةٌ)).
فالكلام الطيب في محنتنا هذه مندوب إليه، بل ربما يكون واجبا في النفوس التي أرهقها اليأس، وأتعبها البلاء، والابتسامة واجب اجتماعي بل ديني أمام الوجوه المكفهرة، وإذا كان اليأس والقنوط انتحار معنوي للقلب والعقل، فإن التفاؤل وحسن الظن بالله يهزم الأمراض النفسية، بل هو وقاية منها.
فلا تيأس أيها المؤمن، واذكر ربك حتى تطمئن نفسك، واستبشر بفرج الله، وتفاءل برحمة الله ومغفرته ونصره، فدوام الحال من المحال.
وقد كَتَبَ أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمر: أما بعدُ، فإنه مهما ينزلُ بعبد مؤمن من منزِلِ شِدَّة يجعل الله بعده فرجاً، وإنه لن يَغْلِبَ عُسْر يُسْرَيْن .
قال تعالى: { سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً }، وقال: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}.
ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليُسر بالعسر كما ذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم): أنَّ الكربَ إذا اشتدَّ وعَظُمَ وتناهى، وحصل للعبد الإياسُ من كَشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبُه بالله وحده، وهذا هو حقيقةُ التوكُّل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تُطلَبُ بها الحوائجُ، فإنَّ الله يكفي من توكَّل عليه ، كما قال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }.
وأخيراً أسأل الله تعالى أن يفرح قلوبنا بفرج قريب يزيل به عنّا ما أهمّنا وأغمّنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى