المقالات

الأئمة الفقهاء والحديث

للباحث/ عبد الله الشيخلوي.

الأئمة الفقهاء والحديث
نجد في فقه الأئمة المجتهدين بعضَ الأحكام التي تخالف ما ورد عن النبي  في ظاهره، وهذه المخالفة لا بد أن يكون لها أسبابٌ، إذ لا يمكن لإمامٍ من أئمة المسلمين معروفٍ بعلمه وصلاحه، واشتغل الناس بفقهه حتى أصبح مذهباً من المذاهب الفقهية الإسلامية التي استقرَّ عليها العمل، لا يمكن له أن يخالف كلامَ رسول الله ، كيف، ومن شروط المجتهد أن يكون محيطاً بغالب السنة، لكن لعم أخذ الأئمة ببعض الأحاديث أسباب مشروعة، ووتركهم العمل بها لا يُعَدُّ مخالفةً للسنة ولا خللاً في شروط المجتهد. ولإدراك هذا الأمر والبحث عن أسباب اختلاف العلماء، لا بد قبل ذلك كله من حسن الظنِّ في أئمتنا وورثة أنبيائنا، وأن نُطمئن قلوبَنا نحوهم، وأن لا نستعجل في نقد كلامهم، فما نحن إلا نأكل من مائدةٍ أعدَّها وتركها لنا أسلافُنا، وقد أخذوا على عاتقهم شرح العديد من مسائل هذا الدين، فقاموا به حقَّ القيام وأحسنَه وبذلوا في سبيل ذلك النفْسَ والنفيسَ، ثم بعد أن نعلم أن هذا الدين لم يصل إلينا إلا من طريقهم وأن هذه السنن لم يروِها ويُدوِّنْها في الكتب إلا هم، أن نأتي إلى كلامهم وندَّعي أنهم يخالفون هذه السنن التي هم أوصلوها إلينا، فهذا من غريب الأقوال وعجيب التصرُّفات، ولا يصدر مثل هذا الكلام إلا ممن كان يحمل حقداً على أئمة المسلمين، أو لديه إعتدادٌ بنفسه وإعجابٌ برأيه واستعجالٌ وهوىً في النقد والردِّ على الآخرين.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (فيجب على المسلمين بعد موالاة الله تعالى ورسوله  موالاةُ المؤمنين، كما نطق به القرآنُ، خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم اللهُ بمنزلة النجوم يُهتدَى بهم في ظلمات البَرِّ والبحرِ. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كلُّ أمَّةٍ قبل مَبعَثِ محمد  فعلماؤها شِرارها، إلا المسلمين، فإن علماءَهم خيارُهم، فإنهم خلفاءُ الرسول  في أمتهِ والْمُحْيون لِما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطق الكتابُ وبه نطقوا).( )
ولا شكَّ أن أئمتنا كانوا حريصين أشدَّ الحرص على اتباع سنن رسول الله  والرغبة في العمل به، وللاستدلال على هذا المعنى أذكر بعضَ ما قاله الأئمة مما يدل على مكانة السنة في نفوسهم، ومنزلتها عندهم.
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: (لم تزل الناسُ في صلاحٍ ما دام فيهم مَن يطلب الحديث. فإذا طلبوا العلمَ بلا حديثٍ فَسَدوا).( )
وقال أيضاً: (إياكم والقولَ في دين الله تعالى بالرأي، وعليكم باتباع السنة، فمن خرج عنها ضلَّ).( )
وقال الإمام مالك رحمه الله: (السنن سفينة نوح: مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غَرق).( )
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (أيُّ سماء تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا رويتُ عن النبي  حديثاً وقلتُ بغيره؟).( )
وسأله تلميذه الحميدي عن حديث، وقال: أتأخذ به؟ فقال مستنكراً: (رأيتَني خرجتُ مِن كنيسةٍ عليَّ زنار، حتى إذا سمعتُ لرسولِ الله  حديثاً لا أقول به؟).( )
وقال الإمام أحمد رحمه الله: (مَن ردَّ حديثَ رسولِ الله  فهو على شفا هلكةٍ).( )
وقال أيضاً: (ما أعلمُ الناسَ في زمانٍ أحوجَ منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان. فقال له أحد أصحابه: ولِمَ؟ قال: ظهرتْ بدعٌ، فمن لم يكن عنده حديثٌ وقع فيها).( )
وهذه كلماتٌ قليلةٌ من مجموعةٍ كثيرةٍ تَزخَر بها كتبُ التراجِم والسِّيَر لهؤلاء الأئمةِ، ونلاحظ أنها تؤكِّد معنىً واحداً، هو: لزوم الأخذِ بالسنة النبوية، وأن من تعلَّم السنةَ وعمِلَ بها كان مِن الفائزين الناجين، ومَن أعرض عنها كان ذلك علامةَ خِذلانِهِ وانحرافه.( )
فينبغي بعد هذا أن نفهم أنَّ ما وُجِد مِن بعض الأحاديث مخالِفةً لما عليه بعضُ الأئمة في مذهبهم الفقهي ليس إلا بسببٍ شرعيٍ، وأريد أن أشير هنا إلى بعض تلك الأسباب الظاهرة التي ترك بعض الأئمة العملَ بالحديث مِن أجلِها ومن ثَمَّ وُجِّه إليهم النقدُ. فالسبب الرئيسي: عدم الوقوف على الحديث، وهذا قَلَّمَا يوجد عند الأئمة، إذ كانوا على معرفةٍ لأغلب الأحاديث المتعلقة بالأحكام، وإذا وُجِد شيءٌ من هذا، فإن من يأتي بعده من أصحابه يصحِّح قولَ الإمام بالرجوع إلى الحديث الذي هو نصٌّ في المسألة، لأن إمامه لم يخالفه مع وضوحه إلا لعدم وقوفه عليه. ومن الأسباب الظاهرة أيضاً هو عدم صحة الحديث عند ذلك الإمام، فيعلِّق القولَ به على صحة الخبر في المسألة، فإذا وقف مَن جاء بعده من أصحابه على خبر صحيح كان يصحِّح قولَ الإمام بناءً على ذلك الخبر.
ومن الأسباب المهمة التي ترك الأئمة من أجلها العملَ بالحديث هو ذلك المنهج الذي سلكه إمامٌ من الأئمة للعمل بحديث الآحاد، فإذا لم تتوفر شروطه في ذلك الخبر، فإنه لا يقول به ويسلك مسلكاً آخر في المسألة للحكم فيها، ومن ثَمَّ كان يأتي الحكم مخالفاً لذلك الحديث الذي تركه ذلك الإمام، فيأتي من يُوجِّه إليه النقدَ لتركه العمل بالحديث وقد وُجد في المسألة خبرٌ، سواء كان ذلك الناقد ممن يعرف طريقة الإمام في التعامل مع السنة لكن لم يرض منهجَه، وهذا قليل، أو كان ممن لا يعرف ذلك ومن ثَمَّ يتهمه بمخالفته للسنة، وهذا كثير.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وليعلم أنه ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمَّد مخالفةَ رسول الله  في شيءٍ مِن سنتِهِ، دقيقٍ ولا جليلٍ، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول ، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يُؤخَذ مِن قولهِ ويُترَك إلا رسولَ الله ، ولكن إذا وُجِد لواحدٍ منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه، فلا بدَّ له مِن عذرٍ في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي  قاله. والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألةِ بذلك. القول الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكمَ منسوخٌ. وهذه الأصناف الثلاثة تتفرَّع إلى أسباب متعددةٍ…)( )، ثم فصَّل تلك الأسباب وأورد عليها أمثلة كثيرةً، بدءاً مما حصل بين الصحابة ، فمَن بعدهم.
ومن أسباب عدول بعض الأئمة عن كثير من الأحاديث في الأحكام، هو نتيجة اختلافهم في توفُّر الشروط التي اشترطوها لصحة الحديث. فجمهور العلماء على الشروط الخمسة التي يصح بها الحديث، وربما يختلفون في حصول واحدٍ منها في الحديث المعين، وبعد اتفاقهم على صحة الحديث سنداً ربما اختلفوا في شروط العمل بالحديث.( )
وأسباب تركِ الأئمةِ العملَ بالحديثِ على نوعين، منها ما يتعلق بالإسناد، ومنها ما يتعلق بالمتن.
ومن أسباب مخالفة الحديث مما لا يدخل تحت الأسباب المتعلقة بالسند ولا المتن، هو عدم الوقوف على الحديث. فكثيراً ما نجد الأئمة أنهم خالفوا بعضَ الأحاديث الثابتة وسبب مخالفتهم لها هو عدم وصول تلك الأحاديث إليهم، لأنه لا أحدَ يُحيط بكل السنن.
والمراد بهذا هو الإشارةُ إلى بعض تلك الأسباب، بهدف الـتأكيد على أن مخالفة الأئمة لبعض السنة ليست عن هوىً وتركٍ للحديث…
وللبحث بقية ومتابعة، ليس هذا موضع بسط القول فيه. والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى